التوازنات الداخلية في العالم العربي:
التوازنات الداخلية في العالم العربي:
أزمة القومية العربية وقضية المشروعية السياسية
من كتاب العمـق الاستـراتيـجي
تأليف: د. أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركي
ترجمة: د. مصطفى الستيتـي
كانت حرب الخليج الثانية التي أنهت مرحلة الحرب الباردة قد أدت إلـى حدوث تغييرات كبيرة في منطقة الشرق الأوسط، وشملت هذه التغييرات التوازنات الداخلية وامتداداتها على المستوى الدولي. وكان اشتعال هذه الحرب بين دولتين عربيتين سببا في حدوث أزمة عنيفة وواسعة داخل العالم العربي. وقد جرت الأمور على عكس المتوقع في مثل هذه الأحوال، لأن مفاوضات السلام التي أعقبت حرب الخليج مباشرة تحولت من مفاوضات ذات نفس طويل أو إستراتيجية طويلة المدى إلى تكتيكات ومناورات قصيرة المدى. وهذا ما أدى إلى زيادة حدة الأزمتين الكويتية والفلسطينية.
ولكن يمكن إرجاع سبب هذا الوضع المتأزم بعمق في المنطقة إلى عدم اكتمال بنيان التوازن في المنطقة اكتمالا صحيحا، فقد عانت المنطقة بعد انهيار الدولة العثمانية تفككا واضحا، وعانت أيضا من آثار الاستقطاب الدولي بعد ظهور حلف الناتو وحلف وارسو على المسرح الدولي وعانت أيضا من الصراع العربي الإسرائيلي وتبعاته. أما اليوم فتشهد معظم القوى الإقليمية في المنطقة شعورا كبيرا بالحاجة إلى إيجاد استراتيجية إقليمية جديدة وفعالة، إلا أن هذه الحاجة لا تجد ضالتها على المستوى الدولي ولا على المستوى الإقليمي. ولهذا السبب فإن هناك توترا ملحوظا تعايشه سواء على مستوى العلاقات الثنائية أو على مستوى التوازنات الإقليمية. وقد بدأت هذه الحالة بالتبلور بعد انتهاء الحرب الباردة.
فالمنطقة العربية عانت بعد الحرب الباردة من تناقضات صارخة على المستوى السياسي. وكان جوهر هذه التناقضات يكمن في التفاوت بين التعصب القومي العربي الذي ينادي به النظام وبين مصداقية الدولة أمام الشعب. وبما أن هذه المصداقية المتعصبة تعتبر أداة أساسية لبنية السياسة الخارجية في هذه البلدان فقد بدأت تعاني أزمة شديدة من ناحية المشروعية السياسية أمام الشعب. فالنظام السياسي في سوريا والعراق المجاورين لتركيا أصبح يعاني من أزمة المشروعية محليا وإقليميا. ويوجد تناقض شديد يعبر عن نفسه بوضوح عن طريق ماضي هذه الدول التي تعتبر نتاجا للاستعمار، ولكنها تعتبر نفسها دولا وطنية لها أهداف معينة على صعيد السياسة الخارجية.
إن هذه التناقضات تعتبر المشكلة الرئيسية للعالم العربي، فكل دولة عربية -خصوصا مصر وسوريا والعراق - تمني شعبها بآمال الوحدة العربية كتعبير عن مصداقيتها أمامه، وتجعل من الآمال أساسا لمشروعيتها السياسية وسياستها الخارجية، إلا أن المحتوى الفكري للوحدة العربية يتناقض تماما مع ظاهرة الحكومات العربية المنفصلة، بل تسوقها إلى توترات دائمة فيما بينهما وتزيل تماما أي احتمال لإحداث تعاون فيما بينهما.
هذا الوضع هو نتاج للتناقض بين ظاهرة الدولة الوطنية وحدودها من جهة والخطاب العربي الوحدوي من جهة أخرى. ولهذا السبب يعتقد كلّ بلد عربي بأنه محصور داخل حدود كان يمكن أن تكون أوسع مما عليه، ويطور استراتيجيته على ضوء هذا الاعتقاد. فسوريا مثلا تؤكد في خطابها القومي وبإصرار أنها صاحبة رسالة تاريخية لحدود أوسع من الحالية وتجعل هذا الهدف أساسا للخطاب الجماهيري، وتعتبر نفسها مهدا للفكر القومي العربي ومركزا للهوية القومية العربية، ولذلك فالهدف يتمثل في بناء استراتيجية قائمة على أساس تحقيق الوحدة العربية وجعل سوريا مركزا لهذه الوحدة وجعلها استراتيجية وحدوية بشكل تدريجي.
والمقصود بـ" التدريج" قيام سوريا بضم الأراضي التي تدعي أنها اقتطعت منها في السابق كالأردن ولبنان واسكندرونة كمرحلة أولى، ليتم تأسيس سوريا الكبرى التي تطل على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وتكون عاصمتها دمشق. وتعتبر هذه الدولة كحلم أولي للحلم العربي القومي. وتواجه سوريا على ضوء هذه الاستراتيجية حالة تصادم متوقعة سواء مع دول غير عربية مجاورة لها كتركيا وإسرائيل، أو مع دول عربية أخرى مجاورة لها أيضا.
ويمكن قول الشيء نفسه بشأن العراق أيضا، الذي يحلم بتحقيق الحلم الوحدوي العربي عن طريق إنشاء دولة تضم العراق والكويت وإقليم عربتسان في إيران كخطوة أولى نحو الوحدة الشاملة، وتكون بغداد عاصمة لهذه الدولة الحلم. وهذا الحلم يجعل العراق في حالة تصادم متوقعة مع دول غير عربية مجاورة كتركيا وإيران، ودول أخرى عربية مجاورة له أيضا، وكذلك فمصر تحلم بإنشاء دولة شمال إفريقية عاصمتها القاهرة.
إن أبرز معلم للتناقض بين المشروع القومي العربي واستراتيجية الدولة الوطنية يكمن في السياسة التوسعية التي تتبعها الدول العربية ضد بعضها البعض أكثر مما تتبعها ضد الدول غير العربية المجاورة. فسوريا تحلم بضم لبنان، والعراق يحلم بضم الكويت وسياساته غدت واضحة. ومصر تسيطر الآن على منطقة حلايب المتنازع عليها مع السودان. ويمكن اعتبار التزام الدول الوطنية العربية التي أنشئت بجرة قلم من قبل الاستعمار باتباع استراتيجيات توسعية على حساب الجيران العرب الآخرين أبرز سبب للأزمة التي يعانيها العرب بعد انتهاء الحرب الباردة.
وكانت الناصرية وإيديولوجية حزب البعث تستند في جوهرها إلى هذه الاستراتيجية التوسعية التدريجية خلال الحرب الباردة. وكانت هذه الإيديولوجيات ذات أساسين، أولهما القومية العربية، وثانيهما الاشتراكية. وشكل الأول ثابتا إقليميا والثاني ثابتا دوليا. وكان هذان الثابتان دافعا لتوقيع سوريا على اتفاقياتها للتحالف الاستراتيجي مع الاتحاد السوفييتي لمدة عشرين عاما، وكذلك إلى قيام العراق بإتباع سياسات تسليحية بالاعتماد على الإتحاد السوفييتي.
وقد أدى تفكك الاتحاد السوفييتي إلى أحداث هزة عنيفة في أسس مشروعية النظام في كل من سوريا والعراق لأنهما كانا يتخذان العلمانية والشمولية والاشتراكية أسسا لايديولوجيتهما البعثية الداعية إلى أفكار اشتراكية وقومية عربية.
وكذلك تسبب اجتياح الكويت من قبل العراق في آثار وخيمة من ناحية فشل الأخير في تحقيق طموحاته التوسعية ذات الصبغة القومية وآثار أخرى وخيمة من ناحية دق إسفين في التضامن العربي الذي دعم العراق خلال حربه ضد إيران، بل إن العراق أدخل نفسه في دوامة تجزأ خطيرة جدا. وشوهدت الآثار نفسها في الأحلام التوسعية السورية، فبدلا من ضم الأردن ولبنان وفلسطين إلى سوريا، أصبحت الأخيرة في مجابهة تحديات خطيرة. فجنوب لبنان يعاني من الاحتلال الإسرائيلي، والأردن وفلسطين يسيران في مفاوضات السلام وفق ما تريد إسرائيل.
وبالرغم من كون النظامين في سوريا والعراق بعثيا التوجه، فقد كان هناك تنافس أو تضاد بينهما إلى درجة أحسا بضرورة مد الجسور الدبلوماسية مع الجيران لتحقيق التوازن بينهما، (أي مع السعودية وإيران وتركيا). وأبرز مثال على ذلك إنشاء خط أنابيب البترول العراقي – التركي كبديل للخط القديم الذي يمر من سوريا حتى سواحل البحر. ومن شأن هذا الخط الذي أنشئ في السبعينات أن يجعل العراق من بين الدول العربية ذات العلاقات الاقتصادية المتينة مع تركيا. وبالمقابل قامت سوريا بتوطيد علاقاتها الاستراتيجية والدبلوماسية مع إيران خلال حربها مع العراق. وهذه الخطوات تعبر عن المآزق التي تعانيها الدول العربية فيما بينها. فعندما يحدث تضاد بين حلم العراق الأكبر وحلم سوريا الكبرى يبدأ التخلي عن الفكر القومي العربي ليحل محله التشبث بلعبة المناورات السياسية. ولا يختلف أمر العلاقات المصرية – السورية والمصرية – العراقية عما ذكرناه إلا قليلا.
لذلك فإن الأطر الإيديولوجية والاستراتيجية للناصرية وحزب البعث التي كانت سائدة أيام الحرب الباردة لم يعد لها ذلك البريق الأخاذ والمؤثر. لهذا السبب فإن العالم العربي يعيش مرحلة جديدة من البحث عن مبادئ وإيديولوجيات جديدة. وقد أخذ العديد من المفكرين العرب مثل إدوارد سعيد يعملون على تحديد أبعاد هذه المرحلة الجديدة، إلا أن التوجهات الدولية والأنظمة الشمولية التي تتبعها في المنطقة تبذل جهدها الجهيد لقطع الطريق أمام هذه المرحلة الجديدة.
وشهد الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب الباردة فترة تغييرات لموازين القوى أدت بدورها إلى بروز هذه الأزمة الإيديولوجية الفكرية التي ذكرناها. وبذلك لم يعد الشرق الأوسط في وقتنا الحالي يملك تلك البنية السياسية المتأثرة بسمات الاستقطاب الدولي ولا تلك المجموعة من الدول التي تشعر باطمئنان مستقبلي نتيجة استقرار الحدود التي خطها الاستعمار في يوم من الأيام.
إن هذه البنى السياسية غير المستقرة تجبر الحكام على تغيير سياساتهم قصيرة المدى إلى أهداف طويلة المدى وذات تأثير مستديم، فمثلا طرأ تغيير على السياسات المصرية والسورية باتباعهما أساليب دبلوماسية ذات نفس طويل، بدلا من الأساليب الاندفاعية التي اتبعها العراق ذات التأثير الإقليمي.
ويمكن تشبيه السياسة الخارجية بين الدول العربية بعشرين ملاكما يوجدون جميعا في حلبة واحدة، ويقوم هؤلاء بلكم بعضهم بعضا دون اعتماد الضربة القاضية محاولين إيقاظ بعضهم البعض بحساب النقاط، ولهذا فإن كل ملاكم ينبغي أن يظل واقفا على قدميه ومتوازنا، أما الملاكم الذي يفقد توازنه فسرعان ما يتم إخراجه من الحلبة ولفترة قصيرة. ولكن ما هي قواعد هذه المباراة غير القابلة للتغيير؟ القاعدة الأولى لا يمكن لأي ملاكم أن يقوم بخطوة تضيق الخناق على باقي الملاكمين. فالعراق أقدم باحتلاله الكويت على هذه الخطوة لذلك تم طرده خارج الحلبة، والثانية لا يسمح بعقد اتفاقات مع اللاعبين من خارج الحلبة تسبب خلخلة التوازنات الداخلية للحلبة، ولهذا السبب تم إخراج مصر من الصف العربي ولمدة قصيرة بسبب توقيعها اتفاقية كامب ديفيد. ولا يمكن إرجاع اللاعب إلى الحلبة مرة أخرى إلا بعد تعهده بأنه سيتأقلم مع التوازنات الداخلية للحلبة وليس من المستغرب أن يتم إرجاع العراق إلى الحلبة مستقبلا كما حدث مع مصر سابقا.
إن هؤلاء المتلاكمين داخل الحلبة الواحدة يشعرون بين الحين والآخر بالحاجة إلى أعداء مشتركين كي تستمر التوازنات داخل الحلبة. وقد كانت فكرة العدو المشترك الخيط الذي نسجت به الخلفية النفسية للإديولوجيات القومية، واستطاعت الأنظمة العربية القومية أن تتخذ من هذه الفكرة أساسا لبناء سياستها الخارجية، وبالتالي اكتساب مشروعية سياسية على صعيد جماهيرها. فقد كان العداء ضد إسرائيل أهم قشة تتشبث بها العديد من الأنظمة العربية ولسنوات طويلة، بالرغم من قيام عدد غير قليل من هذه الأنظمة بإقامة اتصالات سرية مع إسرائيل. وكذلك الأمر مع إيران، حيث كانت الحرب العراقية – الإيرانية فرصة مناسبة لتشكل جبهة معادية لإيران، وكذلك الأمر مع تركيا. فقد كان التوسع الواضح في العلاقات بين تركيا وإسرائيل سببا في انتشار العداء ضد تركيا في المنطقة. وتتبع الأنظمة العربية هذا الأسلوب دون مناقشة موضوعيته من عدمه، والسبب هو تسويق النظام جماهيريا. وكانت تركيا غير مقدرة تقديرا كافيا للجو النفسي/السياسي الموجود في الأوساط العربية ضد إسرائيل. وبذلك كانت عرضة لردود فعل عربية شرسة نتيجة توطيدها علاقاتها مع إسرائيل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق