Powered By Blogger

الجمعة، 11 يونيو 2010

Bookmark and Share
لا تظلموا تركيا 
 2010-06-11   
  اطبع المقال     
   أخبر صديق      
 31 عدد القراءات     
 0 عدد التعليقات     
 
 
غالب قنديل
أظهرت التفاعلات العربية لمذبحة أسطول الحرية انحرافين كبيرين في كل ما أبرزه المشهد الإعلامي من مواقف وتحليلات وآراء، بصورة يتبين معها قصور كبير عن فهم التحول التركي ودوافعه الموضوعية وآفاق تطوره.
الانحراف الأول حملته موجة مدبرة للتقليل من أهمية الموقف التركي في مجابهة إسرائيل والذي اتخذ مسارا تصاعديا منذ مؤتمر دارفوس وحرب الإبادة على قطاع غزة، ومن الواضح ان لهذه الحملة دوافع سياسية، تتصل بالأثر السياسي المحرج الذي تركته المواقف التركية على رؤوس الحكومات العربية الدائرة في الفلك الأميركي والتي تسمى بمجموعة الاعتدال.
شعرت تلك الحكومات العربية، ومعها عدد من الكتاب المرتبطين بأجهزتها خصوصا في الخليج ومصر، بأن الشارع العربي يطالبها بمواقف واضحة ضد إسرائيل ومن حصار غزة ومن المفاوضات غير المباشرة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، قياسا بالمواقف التركية.
المقارنة مع تركيا بدت في نظر المواطن العربي العادي طبيعية ومتواضعة، فالطلب إلى كل من السعودية ومصر والسلطة الفلسطينية السير في خيارات سياسية واضحة ضد إسرائيل على قياس المواقف القوية التي تتخذها دولة تلتزم بالتمثيل الدبلوماسي المتبادل مع إسرائيل وعضو في الحلف الأطلسي وحليف للولايات المتحدة وهي دولة غير عربية.
لم تقطع تركيا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، والأرجح انها لن تفعل، وهي لم تنسحب من الحلف الأطلسي وقد أعلنت عزمها على التحرك من خلاله في مجابهة الإجرام الصهيوني ولمطالبة الدول الأعضاء بمواقف وإجراءات لاجمة لإسرائيل، وبكل تأكيد فتركيا التي أعلنت صراحة عزمها على استخدام ثقلها الاقتصادي ووزنها السياسي في العالم لملاحقة مجرمي الحرب الصهيانة وللتحرك في سبيل فك الحصار عن قطاع غزة، تتحرك بمضمون فكرة ان السلام العادل والشامل الذي يحقق تسوية للصراع العربي الإسرائيلي بمضمون القرارات الدولية هو الضامن الوحيد للاستقرار الذي تهدده إسرائيل بجرائمها وحروبها المتمادية وبرفضها الامتثال للقرارات الدولية.
يشعر جماعة الاعتدال بالحرج الشديد لان السياسية التركية بهذه الواقعية وبهذا التواضع وهي تتحرك بدافع صريح ومعلن يرتكز على مناخ شعبي تركي تفاعل بقوة مع القضية الفلسطينية منذ انتفاضة الأقصى.
حملة هذا الفريق المنحرف سياسيا للتقليل من قيمة الموقف التركي كان الهدف منها تلافي الحرج ولجم المطالبة بإجراءات ممكنة وواقعية لا يمثل أي منها تدبيرا يفوق طاقة الأنظمة التابعة للهيمنة الأميركية والملحقة بها.
الانحراف الثاني وقد حملته تعبيرات إعلامية وسياسية عكست الصدى الشعبي العفوي للحدث التركي وظهرت فيها ملامح ابتهاج احتفالي شعر به المواطن العربي العادي لشدة ما اختنق من سياسات المجموعة العربية الرسمية التي لا أثر فيها لمنطق الكرامة ولحسابات المواقف القومية لولا وجود سوريا التي تحظى بتعاطف كبير في دعمها للمقاومة اللبنانية والفلسطينية وفي شجاعتها وجرأتها بالتصدي للعدو الصهيوني وللهيمنة الأميركية في أحلك الظروف، وعلى الرغم من حملات التعتيم والنكران الذي ينظمها جماعة الاعتدال ضد سوريا بدون انقطاع فان جميع استطلاعات الرأي الأميركية والدولية والعربية أظهرت ان الرئيس بشار الأسد هو الزعيم الأكثر شعبية لدى الجمهور العربي من بين رؤساء الدول العربية والأجنبية على السواء يليه رجب طيب اردوغان واحمدي نجاد، ويأتي مباشرة في المرتبة الأولى من بين الزعامات الشعبية غير الرسمية السيد حسن نصرالله قائد المقاومة اللبنانية.
هذه الحقيقة توضح طبيعة المزاج الشعبي الذي تفاعل مع الحدث التركي بفرح كبير، وشكل مناخا تولدت فيه أفكار وتقديرات سياسية شطحت إلى استحضار المجد العثماني الغابر والتعامل مع تركيا وكأنها ذاهبة إلى إعلان الحرب على إسرائيل وإرسال جيوشها صوب الجبهات لتحرير فلسطين وهي أفكار كانت إسقاطا بالمعنى البسيكولوجي للاماني المتخيلة لدى العامة، ولذلك برز كثيرون من هذا الجو يعربون عن خيبتهم بعد خطاب اردوغان كأنما توقعوا إرسال البوارج التركية إلى سواحل فلسطين المحتلة للاقتصاص من قراصنة نتنياهو وباراك الذين قتلوا ناشطي أسطول الحرية.
كلا الانحرافين في معاينة الظاهرة التركية غريب عن الواقع الذي يؤكد الأهمية الحاسمة والكبيرة للموقف التركي ولأثره السياسي في تعزيز مواقع قوى المقاومة العربية التي تقودها سوريا وتضم قوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية وتتصل بحليفها الاستراتيجي في إيران، وهي اليوم تضاعف ثقلها بالعضد التركي الذي يكسبها قوة مضافة وفاعلة في المعادلة الدولية والإقليمية.
تركيا هي تركيا كما هي، بمصالحها بعلاقاتها بمواقفها المعروفة، وهي بكل هذه الأبعاد والمكونات تنتقل من حليف لإسرائيل إلى نصرة الحق العربي والمقاومة العربية وهذا تطور كبير يستدعي الحرص والمسؤولية في التفاعل معه فلا ينتقص من قيمته لتعويض عقد الذنب لدى أنظمة عربية أراقت ماء وجهها على أعتاب الأميركيين والإسرائيليين وفرطت بأبسط مقومات الكرامة والاستقلال، ولا تطالب تركيا بما يتخطى طاقتها السياسية والاقتصادية والإستراتيجية.
ان التجربة التي دشنها الرئيس بشار الأسد في العمل والبناء على الشراكة مع تركيا قبل ثماني سنوات تظهر بوضوح صحة النهج المتزن والموضوعي في التعامل مع الأتراك وتؤكد ان الحقيقة التركية في المنطقة ديناميكية وليست جامدة عند حدود معينة ويمكن بالصبر والايجابية والتعاون المتصاعد ان تتقدم إلى الأمام وترجح أكثر فأكثر كفة الحق العربي في منطقة يهددها الإسرائيليون تحت الحماية الأميركية والغربية.  
  Bookmark and Share 
 

ليست هناك تعليقات: