Powered By Blogger

الجمعة، 18 يونيو 2010

انفصال جنوب السودان والأجندة الأميركية:احمد عمرابي


انفصال جنوب السودان والأجندة الأميركية:احمد عمرابي
 





























بترتيب من الإدارة الأميركية، يزور واشنطن الآن الأمين العام ل«الحركة الشعبية» لجنوب السودان باقان أموم، على رأس وفد رسمي من الحركة لمخاطبة الكونغرس الأميركي بشأن الاستفتاء المقرر لأهل الجنوب في يناير المقبل، لتقرير المصير.

ويمكن القول إن الهدف من الزيارة هو تهيئة الأذهان لانفصال الجنوب، كتوطئة لمولد دولة مستقلة كاملة السيادة لذلك الجزء من السودان. وأول تساؤل يخطر على البال هو: لماذا هذا الاهتمام الأميركي بفصل الجنوب؟

خيار الانفصال منصوص عليه بالطبع في اتفاقية نيفاشا للسلام بصورة ضمنية، من حيث تمكين شعب الجنوب من ممارسة حق تقرير المصير. ولكن لماذا قررت الولايات المتحدة أن تتبنى هذا الخيار كسياسة معتمدة فيما يبدو، دون خيار الوحدة المنصوص عليه أيضاً في الاتفاقية؟

لقد نصت اتفاقية السلام كذلك على فترة انتقالية لمدى خمس سنوات تبدأ من يناير 2005، يكون خلالها الحكم المركزي شراكة بين حزب «المؤتمر الوطني» الشمالي والحركة الجنوبية، على أن تنفرد الحركة بالسلطة في الجنوب في إطار نظام حكم ذاتي محلي.

وعلى مدى معظم المساحة الزمنية لهذه الفترة، كان محور السياسة الأميركية هو تشجيع استمرار الوحدة بين الجنوب والشمال، حتى بعد نهاية المرحلة الانتقالية. وكان تعليل هذه السياسة هو أن من شأن مشاركة الحركة الجنوبية في الحكم المركزي، أن تكبح جماح التوجه الإسلامي الراديكالي الذي يمثله حزب المؤتمر الوطني الشريك.

لكن، على صعيد التطبيق العملي ثبت أن هذا التقدير الأميركي خاطئ. فقد أدت غلبة حزب المؤتمر على جهاز الدولة، إلى جعل التوجه الراديكالي الاستقلالي للسلطة المركزية أقوى في الساحتين الإقليمية والدولية، بحيث إن قيادة الحركة الجنوبية صارت مجرد تابع.

هذا ما يفسر لنا ما طرأ مؤخرا من تغيير كامل في السياسة الأميركية تجاه مصير ومستقبل جنوب السودان، بأنه يهدف إلى تفكيك الوحدة بين الجنوب والشمال، لتنشأ دولة «جنوبية» مستقلة.

والسؤال التالي إذن هو: هل لدى الولايات المتحدة الآن أجندة معينة تجاه الدولة الجنوبية المرتقب مولدها؟ ويتفرع من هذا السؤال، بل ويسبقه ما يلي: هل لدى جنوب السودان أصلا المقومات الأساسية اللازمة لقيام دولة مستقلة ومتماسكة، وبالتالي كيان مستقر يمكن الولايات المتحدة من تنفيذ أجندتها أيا تكن طبيعة هذه الأجندة؟

الرؤية الأميركية الأساسية لجنوب السودان تنبع من كونه كياناً إثنياً إفريقياً غير عربي وغير مسلم، بالمقارنة مع الشمال العربي المسلم. وبناء على هذه الرؤية الأساسية، فإن دولة الجنوب الجديدة بهويتها الإفريقية المسيحية، تمثل في نظر واشنطن قاعدة نموذجية لمحاربة «الإرهاب» في منطقة شرق إفريقيا.

وبالامتداد المنطقي، ستكون الدولة الجديدة قاعدة لمنظمات التبشير المسيحي «الربية»، يشمل نشاطها خططا لعمليات التنصير في أوساط الأقليات الإسلامية في بلدان إفريقيا الشرقية، وخاصة كينيا ويوغندا وتنزانيا. وبالطبع ستكون على رأس أجندة هذه الأنشطة، محاربة انتشار الإسلام داخل الجنوب السوداني نفسه.

إجمالا، يمكن القول إن ما يراد للدولة الجديدة هو إدراجها ضمن الاستراتيجية الأميركية تجاه القارة الإفريقية، حيث تلتقي أهداف هذه الاستراتيجية مع التوجهات الاستراتيجية الإسرائيلية. وفي هذا السياق، علينا أن ننتبه إلى أن المدخل الإسرائيلي إلى دولة جنوب السودان، هو التدخل في معادلة قسمة مياه النيل بين دول الحوض، بما يلحق ضررا جسيما بمصر والسودان.

فالدولة الجنوبية الجديدة، ستكون فور إعلانها العضو الإضافي الجديد في مجموعة دول المنبع، التي بدأت منذ الآن في إثارة مسألة إعادة النظر في توزيع الأنصبة المائية، بتحريض إسرائيلي مدعوم أميركيا في ما يبدو.

ويجدر بالذكر هنا أن صحيفة خليجية أوردت أن أمانة السياسات في الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر، تلقت مذكرة سرية من أحد أعضاء الأمانة تكشف عن خطة إسرائيلية لتوصيل مياه النيل إلى إسرائيل، مقابل التزام إسرائيلي بتمويل مشروع قناة جونغلي في جنوب السودان.. ذلك المشروع الذي يؤدي إلى زيادة موارد روافد النيل عن طريق تقليص كمية التبخر.

صفوة القول إن قيام دولة مستقلة في جنوب السودان صار تقريبا حقيقة واقعة، حيث إن الاستفتاء المقرر إجراؤه في يناير 2011 سيكون تحصيل حاصل.. وثانيا، إن الولايات المتحدة تعد العدة للتعامل مع الدولة الجديدة كدولة تابعة للنفوذ الأميركي.

لكن هذا يعود بنا إلى السؤال السابق: هل تملك الدولة الجديدة من مقومات الاستقلال الكياني ما يجعل منها دولة مستقرة قابلة للبقاء؟

علينا أولا أن نعيد إلى الأذهان أن جنوب السودان ليس نسيجا إثنيا موحدا، فهو يتكون من عشرات من القبائل المتصارعة التي لا يربط بينها حتى رباط لغوي. هناك اثنتا عشرة مجموعة لغوية قبلية، ليست بينها لغة تواصل وطنية. لذا فإن الولاءات السياسية مبنية على الانتماءات القبلية.

الآن، وعلى مدى شهور، ظلت تدور حرب أهلية متصاعدة، تتقاتل من خلالها قبيلة الدينكا التي تنتمي إليها «الحركة الشعبية» الحاكمة، مع القبائل الرئيسية الأخرى المحرومة من قسمة السلطة الجنوبية.

ومع افتراض وجود عسكري أميركي في الدولة الجنوبية الجديدة سيوفر دعما للقبيلة الحاكمة، فإن من المؤكد أن جنوب السودان أصبح الآن موعودا بأن يكون «أفغانستان» أخرى.

البيان

ليست هناك تعليقات: