Powered By Blogger

الثلاثاء، 22 يونيو 2010

يريدون مسلمين بغير إسلام ؟!

Bookmark and Shareيريدون مسلمين بغير إسلام ؟!
الخميس, 10 يونيو 2010
فهمي هويدي : صحيفة الرؤية

البعض يريدون مسلمين بغير إسلام، يرحبون بالناس وينفرون من المعتقد والقيمة. يعتبرون أن استحضار الإسلام يعقد الأمور ويستدعي مشكلات نحن في غنى عنها، حجتهم في ذلك أن إظهار الهوية الإسلامية يثير الحساسية، ويمثل عنصرا طاردا للآخرين، ثم إنه يختزل القضايا الكبرى في رموز دينية ضيقة، ويفتح الباب لحروب دينية استئصالية ضد «اليهود» تقوض إمكان التعايش السلمي معهم، والحل يتمثل في إخراج الإسلام من الموضوع، وتنقية الصراع من «شوائبه»، وتنحية ما هو ديني لمصلحة ما هو إنساني وعلماني.
هذا الكلام قرأته في كتابات نُشرت أخيرا، جاءت في سياق حملة مطاردة حضور الإسلام في المجال العام، التي يقودها نفر من المثقفين، إذ حذرت تلك الكتابات من فكرة «أسلمة الصراع»، التي قصد بها الانطلاق من المرجعية الدينية في مواجهة العدو.
ثمة ملاحظتان جوهريتان على هذا الخطاب الأولى أنه ينطلق من رؤية استشرافية نافرة من الإسلام بالأساس، وهي معنية بإقصائه عن الصراع بأكثر من عنايتها بالصمود في مواجهة العدو أو كسب الصراع، ذلك أنهم حين يعتبرون الإسلام مؤديا إلى استبعاد الآخرين وليس متصالحا معهم أو قادرا على استيعابهم، فإنهم يصدرون حكما متأثرا بأجواء التعبئة السياسية والإعلامية الراهنة، التي اختزلت الإسلام في أداء بعض جماعات التطرف والإرهاب، بمعنى أنه حكم يخص بعض المسلمين ولا شأن للإسلام به، وهذا القصور في النظر يضعف الموقف العربي ولا يخدمه، فالغيورون والمخلصون حقا يحرصون على لملمة الصفوف وتوسيع دائرة الاحتشاد في مواجهة العدو، ولا يلقون بالا لمعايير الخصم والاقصاء، وأبسط مبادئ الاحتشاد تدعو إلى التركيز على وحدة الهدف مع القبول بتنوع المنطلقات الفكرية والسياسية، بحيث يصطف المشاركون استنادا إلى منطلقاتهم الوطنية جنبا إلى جنب مع أصحاب المنطلقات القومية أو الدينية أو الإنسانية، أما أن تطالب أي جماعة بالتنازل عن منطلقاتها، بعضها أو كلها، فذلك مما ينطبق عليه قول الجاحظ أنه سقم في العقل وسخف في الرأي، لا يتأتيان إلا بخذلان من الله سبحانه وتعالى.
الملاحظة الثانية لا تخلو من مفارقة، ذلك أن هذا الكلام يصدر في حين تتصدر القوى الإسلامية صفوف المجاهدين المناضلين في ساحة الصراع، وهي التي تدفع الثمن الأكبر في ساحة المواجهة، ذلك ينسحب على حركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان، ومقاومة الاحتلال الأميركي في العراق، هم المقاتلون والمحاصرون والشهداء والأسرى. صحيح أن هناك جماعات وطنية شريفة تقف إلى جوارهم في الساحة، لكن أحدا لا ينكر أن القوى الإسلامية تقف في الصف الأول، كما أنها تتحمّل العبء الأكبر وتدفع الثمن الأكبر، ولا أعرف كيف يمكن لعاقل أن يطل على ساحة الصراع، ليدعو تلك القوى الإسلامية لأن تتنازل عن منطلقها الجهادي بدعوى عدم إثارة حساسيات الآخرين. كما أنني لا أعرف كيف يمكن أن ندعو الشباب إلى الجهاد والموت في سبيل القضية، إذا لم نقل لهم إنهم حين يقدمون أرواحهم فداء لوطنهم ودفاعا عن قضيته العادلة، فإن ذلك يعد جهادا في سبيل الله وبابا للفوز بجنته ورضاه.
المدهش في الأمر أن الذين يأنفون من ذكر المرجعية الدينية في الصراع، لا يقدمون بديلا ينهض بمسؤولية مواجهة العدو، في حين ينشغلون بتجريد القوى الإسلامية من أمضى أسلحتها وأكثرها فعالية، وبدلا من دعوتهم إلى توثيق العرى مع القوى النضالية والمنظمات الإنسانية الأخرى، فإنهم يسعون إلى تعميق الفجوة بين الطرفين، وإعطاء انطباع بأن خطاب القوى الإسلامية يقوض التصالح والتوافق، ويثير التناقض والتعارض.
إن خطاب مناهضة الاتكاء على الهوية الإسلامية يغيب تماما الحس التاريخي. ويتجاهل خبرة الإسلام في التعامل مع العالم طوال 14 قرنا، في حين حاكموه بما تنشره الصحف عن بعض جماعاته وما تروجه تقارير مباحث أمن الدولة، ثم إنه يتّسم بخفة نلحظها في الادعاء بأن خطاب الأسلمة لا يدرك الفرق بين اليهود والصهاينة، وأنه حين يتطرّق إلى تحرير المقدسات، فهو لا يعني إلا تحرير المساجد والأضرحة والزوايا، إلى غير ذلك من القرائن الدالة على أن الكاتبين خاضا في أمر يجهلان كنهه، وقدما مرافعة في قضية لم يدرسا ملفها جيدا، حيث قرآ عنها ولم يقرآ فيها.

ليست هناك تعليقات: